الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
622
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
ومعنى حلاوة الإيمان : استلذاذ الطاعات وتحمل المشقات في الدين ، ويؤثر ذلك على أغراض الدنيا ، ومحبة العبد للّه تعالى تحصل بفعل طاعته وترك مخالفته ، وكذلك الرسول ، قال النووي : وقال غيره : معناه أن من استكمل الإيمان علم أن حق اللّه ورسوله أكد عليه من حق والده وولده وجميع الناس ، لأن الهدى من الضلال ، والخلاص من النار ، إنما كان على لسان رسوله . وفي قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « حلاوة الإيمان » استعارة تخييلية ، فإنه شبه رغبة المؤمن في الإيمان بشيء حلو ، وأثبت له لازم ذلك الشيء وأضافه إليه ، وفيه تلميح إلى قصة المريض والصحيح ، لأن المريض الصفراوي يجد طعم العسل مرّا ، والصحيح يذوق حلاوته على ما هي ، وكلما نقصت القوة شيئا ما ، نقص ذوقه بقدر ذلك . وقال العارف ابن أبي حمزة : واختلف في الحلاوة المذكورة هل هي محسوسة أو معنوية ، فحملها قوم على المعنى وهم الفقهاء ، وحملها قوم على المحسوس وأبقوا اللفظ على ظاهره من غير أن يتأولوه وهم أهل الصفة ، أو قال الصوفة . قال : والصواب معهم في ذلك واللّه أعلم ، لأن ما ذهبوا إليه أبقوا لفظ الحديث على ظاهره من غير تأويل . قال : ويشهد إلى ما ذهبوا إليه أحوال الصحابة والسلف الصالح وأهل المعاملات ، فإنه حكى عنهم أنهم وجدوا الحلاوة محسوسة . فمن ذلك : حديث بلال حين صنع به ما صنع في الرمضاء إكراها على الكفر ، وهو يقول أحد أحد ، فمزج مرارة العذاب بحلاوة الإيمان . وكذلك أيضا عند موته ، أهله يقولون : وا كرباه ، وهو يقول : وا طرباه ، غدا ألقى الأحبة محمدا وصحبه ، فمزج مرارة الموت بحلاوة اللقاء وهي حلاوة الإيمان . ومنها حديث الصحابي الذي سرق فرسه بليل وهو في الصلاة ، فرأى السارق حين أخذه فلم يقطع لذلك صلاته ، فقيل له في ذلك فقال : ما كنت فيه ألذ من ذلك ، وليس ذاك إلا لحلاوة الإيمان التي وجدها محسوسة في وقته ذلك .